محمد غازي عرابي
913
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
العذاب إشارة إلى الحجاب ، والدنيا كلها وما فيها لا تعدل جناح بعوضة من عظمة الأنوار الإلهية التي جعلت سلطان السائحين إبراهيم بن أدهم يزهد في الإمارة والسلطان ويسوح في الأرض ويقول : لو علمت الملوك ما نحن فيه من نعيم لجالدونا عليه بالسيوف . والآية تشير إلى خسارة الإنسان الذي لا يعرف اللّه ، ولا يكتشف أين هو ، وأنه نور السماوات والأرض ، وأن كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ، والدنيا غدارة خوانة لا حفاظ لها ولا أمان ، فالعالم كما قال هيراقليطس يسيل ، وما من لذة تدوم ، ولذة الثوب يوم وفرحة السكن في قصر أيام ، ثم يستوي بعد ذلك في الإحساس الغني والفقير ، الكبير والصغير ، الريس والعبيد ، فهذا حال الدنيا ، وهذا حكم اللّه فيها ، وما من خلاص من هذا الجحيم الدنيوي سوى الفرار إلى اللّه والفناء في أنوار اللّه . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 49 إلى 51 ] فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 49 ) قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 50 ) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 51 ) [ الزمر : 49 ، 51 ] الضر ظاهر وباطن ، وكشف الضر الظاهر هو باللّه وللّه ، ذلك أن نشاط الأسماء الإلهية التي هي الموجودات ذاتها هو بإذن منه سبحانه وبأمره ، فإذا كشف الضر عن إنسان فاللّه قد كشفه ، وإن كان زيد أو عمرو فعلاه ، وكشف الضر الباطن هو باللّه وللّه أيضا ، إذا ما دام الباطن مسرح نشاط الخواطر ، وما دامت الخواطر نشاط جند اللّه فإن من يكشف الضر الباطن هو اللّه الذي يدفع خاطرا بخاطر حتى يسكن العبد ويرتاح ، ويجهل الإنسان سر هذا النشاط الإلهي الظاهر الباطن ، ويربط الأسباب بالمسببات ، ويقول قد فعل زيد ولولاه لما تم . . وهذا صحيح ظاهرا ، لكن المحرك له والباعث عليه والداعي له هو الحق سبحانه ، ألم تر أن الغني الكريم المحسن إذا أحسن إنما يكون قد فعل ذلك بفعل داعية الكرم فيه ، والداعية اسم إلهي وصفة إلهية جعلها اللّه في قلوب المحسنين من عباده . [ سورة الزمر ( 39 ) : آية 52 ] أَ وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 52 ) [ الزمر : 52 ] لولا أن اللّه جعل الغني والفقير ، والرئيس والمرؤوس لما رفعت قواعد البيت العام ، فالحكمة اقتضت أن يكون زيد غنيا ، وأن يكون عمرو فقيرا ، وأن يحتاج عمرو إلى مال زيد ، وأن يحتاج زيد إلى ساعد عمرو ، وأن يكون المال والساعد عمادي الحياة .